13 - 01 - 2026

تحالفات متقاطعة | نحو هندسة جديدة للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط (2-3)

تحالفات متقاطعة | نحو هندسة جديدة للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط (2-3)

استعرضنا في الجزء السابق من هذا التحليل، المشهد الأمني المعقد لمنطقة الشرق الأوسط، حيث تتراكم التحديات في طبقات مترابطة يصعب فكَّها، وتواجه الدولة الوطنية اختباراً وجودياً تحت وطأة الضغوط المزدوجة: تصاعد كيانات ما دون الدولة من الداخل، وتأثير القوى الإقليمية والدولية من الخارج، في ظل شرخ اقتصادي هيكلي يعمِّق الإحباط الاجتماعي، ويحدث هذا في خضم بيئة استراتيجية عالمية مضطربة، تحوَّل فيها التنافس بين القوى الكبرى إلى مواجهات شاملة وحروب بالوكالة، وتتقادم فيها النماذج الأمنية التقليدية أمام صعود تهديدات غير مسبوقة، ولم تعد الحروب تُشن بجيوش تقليدية فحسب، بل في الفضاء السيبراني الخفي وحروب المعلومات التي تفتت المجتمعات، بينما تهدد الهجمات على شرايين الطاقة في الممرات البحرية الحيوية بإثارة زعزعة اقتصادية عالمية.

وفي مواجهة هذه "التهديدات السائلة" العابرة للحدود والسيادات، يبرز سؤال مركزي: كيف يمكن لمنطقة تئنُّ تحت ثقل تاريخي وجغرافي فريد أن تصوغ نموذجاً أمنياً وجودياً قادراً على الصمود في زمن اللايقين العالمي؟ 

يبدو أن الإجابة تكمن في تبني منطق استراتيجي أكثر مرونة وبراغماتية، وهنا تظهر "التحالفات المتقاطعة" أو "شبكات الأمن المرنة" كاستجابة ممكنة؛ فهي تعني بناء تحالفات تكتيكية ومرنة حول تهديدات أو مصالح محددة ومشتركة، تسمح للدول بالتعاون في مسارات معينة بينما قد تختلف في أخرى، دون الارتباط بتحالف جامد شامل، وهذه التحالفات لا تقوم على هوية مشتركة ثابتة، بل على إدارة مخاطر محددة وتعظيم منفعة آنية، مما يجعلها تعبيراً عن عقلانية استراتيجية جديدة في منطقة تفتقر إلى هياكل أمنية جماعية فاعلة.

في هذا الإطار، تأتي التحركات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة كملامح لتحول جيوبوليتيكي عميق ونماذج أولية عملية لهذا النهج، فالتنسيق البحري السعودي - التركي في أنقرة لا يعكس تجاوزاً لسنوات من التوتر فحسب، بل إدراكاً متبادلاً للأخطار المحدقة بأمن الممرات المائية الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي، وهي شرايين الطاقة والتجارة العالمية، وهذا التعاون البحري يتقاطع مع مسار موازٍ ومكمل يتمثل في الشراكة السعودية - الباكستانية، حيث يرقى الاجتماع الجوي بين قيادتي البلدين في الرياض من تفعيل تعاون دفاعي تاريخي إلى ترقية لتحالف استراتيجي في لحظة حساسة، مما يعزز عمق الرياض الأمني مع حليف تقليدي بينما تؤكد إسلام آباد على التزامها الثابت.

أما الغياب المصري الملحوظ عن هذه التكتلات العسكرية الآنية، فهو انعكاس لاستراتيجية أكثر تعقيداً وحسابات ذات أبعاد متشابكة، وتُظهر مصر حراكاً دبلوماسياً نشطاً على جبهات أخرى، بما في ذلك التواصل المستمر مع الإمارات للتنسيق حول ملفات إقليمية حارقة مثل اليمن، والسعي لتعزيز شراكة شاملة مع باكستان، مما يشير إلى أنها تختار في المدى القصير مساراً مختلفاً يراعي أولوياتها الداخلية وتوازناتها الإقليمية الحساسة، خاصة في علاقتها المعقدة مع أبو ظبي التي تمثل شريكاً استراتيجياً رئيسياً في ملفات مثل السودان وإعادة الإعمار الاقتصادي، فربما تفضيلاً لاحتواء النزاعات ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.

تكشف هذه التحركات مجتمعة عن طبقات أعمق من التفاعلات الجيوبوليتيكية؛ أولاً، تُظهر أولوية الأمن البحري كمجال للتعاون الاستباقي لحماية المصالح الاقتصادية الحيوية، ثانياً، تعكس بناء الدول لتحالفات متعددة المستويات (عسكرية، اقتصادية، دبلوماسية) مع شركاء مختلفين لمعالجة جوانب متنوعة من أمنها القومي، وهو نهج مرن يتأثر بشكل مباشر بالتطورات المحلية والدولية، ثالثاً، تشير إلى أن مستقبل الاستقرار في المنطقة قد يرتكز على قدرة دولها على نسج شبكة ديناميكية ومرنة من التحالفات المتقاطعة، تكون كفيلة بإدارة الأزمات المعقدة حتى في غياب تسوية شاملة للصراعات التاريخية الكبرى.

وتقف منطقة الشرق الأوسط عند منعطف وجودي، حيث أثبتت الهياكل الأمنية التقليدية عجزاً جوهرياً عن مجاراة طبيعة التهديدات المعاصرة "السائلة" وعابرة الحدود، فيرى منظرو العلاقات الدولية، مثل "باراك بارافي" "وكريستوفر ديفيد"، أن منطق التحالفات الثابتة والهويات السياسية الصلبة لم يعد قادراً على احتواء تحديات مركبة تتراوح بين الحروب السيبرانية التي تستهدف البنى التحتية الحيوية، والأزمات الاقتصادية والبيئية الحادة، وحروب الوكالة متعددة المستويات، وهذه التهديدات التي يصفها عالم الاجتماع "زيجمونت باومان" بسمة "السيولة" والانتشار السريع، لا تعترف بالحدود السيادية وتذيب الفوارق التقليدية بين الداخل والخارج، مما يضع المنطقة أمام سؤال مصيري: كيف يمكن صياغة نموذج أمني وجودي جديد في زمن اللايقين هذا؟

وتشير الإجابة في الأدبيات المتخصصة إلى ضرورة التحول من نموذج التحالفات الصلبة إلى اعتماد "تحالفات متقاطعة" أكثر مرونة وبراغماتية، وهذا النموذج الناشئ، الذي يحلله باحثون مثل "ستيفن والت" و"جلين سنايدر"، لا يقوم على هوية أو مشروع إيديولوجي ثابت، بل على إدارة مخاطر محددة وتعظيم منفعة آنية في قضايا استراتيجية بعينها، مما يسمح حتى للخصوم التقليديين بالتعاون المؤقت، إنه تعبير عن استجابة واقعية لغياب هياكل الأمن الجماعي الفاعلة، ويمثل محاولة لبناء استقرار إقليمي عبر شبكات تعاون مرنة تتقاطع فيها التحالفات وتتداخل، وتبحث هذه الورقة في إمكانية ترجمة هذا الإطار النظري إلى ممارسة عملية داخل السياق الفريد للشرق الأوسط، متفحصة كيف يمكن لهذه الهندسة الجديدة أن تشكل رداً عملياً على حالة اللا استقرار المزمنة التي تعصف بالمنطقة.

التحالفات المتقاطعة: من الإطار النظري إلى التطبيق العملي في السياق الإقليمي

في حقل العلاقات الدولية المتطور، لم يعد مفهوم التحالف يُختزل في تلك الكتل الثابتة المتجابهة التي هيمنت على قراءة التاريخ الاستراتيجي طويلاً، لقد أفرزت تعقيدات النظام العالمي المعاصر، حيث تتداخل التهديدات وتتسع دوائر المصالح، نموذجاً أكثر ديناميكية وبراغماتية يُعرف بالتحالفات المتقاطعة أو "التحالفات الوظيفية المرنة"، ويمثل هذا النموذج، كما يُحلِّله منظرو الاستراتيجية، في الأدبيات الأكاديمية، ويوضحه باحثون مثل "ستيفن والت" و"جلين سنايدر"، نقلة نوعية من منطق التحالفات الشاملة والثابتة - التي غالباً ما تكون ردة فعل على قوة عظمى مهيمنة أو معادية لها - إلى منطق "إدارة المخاطر" و "تعظيم المنفعة" في قضايا محددة وعابرة للحدود.

وتتمحور الفلسفة الجوهرية للتحالفات المتقاطعة حول فكرة المرونة الوظيفية، التي تسمح للدولة بأن تكون شريكاً في ملف أمني أو اقتصادي معين، دون أن يرتبط ذلك بالضرورة بتحالف استراتيجي شامل أو ولاء أحادي البعد، فهي تحالفات تُبنى على أساس المصلحة الوطنية المباشرة والقابلة للقياس في مواجهة تهديد محدد، كالأمن البحري أو مكافحة الإرهاب السيبراني أو استقرار أسواق الطاقة، أكثر من بنائها على روابط إيديولوجية أو انتماءات طويلة الأمد لتكتلات ثابتة، وهذا يجعلها أدوات "تكتيكية - استراتيجية" هجينة، قادرة على التكيف مع المتغيرات السريعة، حيث تتعاون دول قد تختلف جذرياً في سياساتها الإقليمية الأخرى، في إطار شراكة موجهة بالهدف ومحدودة الزمن.

وفي السياق الإقليمي المضطرب، تظهر هذه التحالفات كاستجابة واقعية لطبيعة التهديدات "السائلة" التي لا تعترف بالحدود، فبدلاً من السعي لبناء نظام أمني جماعي شامل - وهو أمر تعثّر تاريخياً في المنطقة - تتبنى الدول منطق "الشبكات الأمنية المتداخلة"، فالدولة قد تنخرط في تنسيق بحري مع جار لها لحراسة مضيق حيوي، بينما تتعاون في نفس الوقت مع طرف إقليمي ثالث في حرب استخباراتية على تنظيم متطرف، وتنافس كليهما في ملفات جيوبوليتيكية أخرى، وهذه القدرة على "إدارة التناقضات" وخلق تعاون انتقائي هي السمة المميزة للعصر، مما يوسع هامش المناورة للدول المتوسطة والصغيرة في فضاء جيوبوليتيكي تتنازعه القوى الكبرى.

وبالتالي، لا تُعد التحالفات المتقاطعة مجرد ترتيبات ظرفية، بل هي تعبير عن عقلانية استراتيجية جديدة تتأسس على مبادئ التخصص والتكامل والمرونة، إنها تحول التركيز من السؤال التقليدي "مع من نتحالف؟" إلى السؤال الأكثر دقة: "في أي القضايا ولمصلحة أي هدف نتعاون؟"، وهذا المنطق هو الذي قد يمكِّن دول المنطقة من بناء أنسجة أمنية مرنة، تكون كفيلة بإدارة الأزمات اليومية المعقدة، حتى في غياب التسوية الشاملة للصراعات التاريخية الكبرى، وفي سياق الشرق الأوسط، حيث تتشابك التحالفات وتتصارع، يمكن لهذا النهج أن يقدم حلاً عملياً لعدة معضلات:

1- معالجة التهديدات المركبة: تقدم التحالفات المتقاطعة إجابة عملية بارزة لأحد أبرز معضلات الأمن المعاصر: كيفية معالجة التهديدات المركبة والعابرة للحدود، التي تفوق قدرة أي دولة بمفردها، من خلال تجميع موارد وخبرات متنوعة في إطار مرن ومحدد الهدف، ويعتمد نجاح هذا النموذج على قدرة الدول على بناء ما يُعرف في الأدبيات الأكاديمية "بالتكامل بين الموارد المكملة"، وهو الدرجة التي يستطيع فيها الشركاء تكميل مهام بعضهم البعض من خلال توفير موارد وقدرات فريدة، ويتجلى هذا المبدأ بوضوح في إمكانية التعاون التركي - السعودي في مجال الأمن البحري، الذي يمثل نموذجاً أولياً لتحالف متقاطع، فمن جهة، تتمتع تركيا بقدرات لوجستية وعسكرية بحرية متطورة، مدعومة بموقع جيواستراتيجي يطل على ممرات حيوية، ومن جهة أخرى، يمنح الثقل الجيوبوليتيكي والاقتصادي السعودي، بوصفها قوة محورية في مجلس التعاون الخليجي وعماد أسواق الطاقة العالمية، وزناً سياسياً ومالياً حاسماً لأي مبادرة أمنية إقليمية.

عندما يتم توجيه هذه الموارد المكملة نحو هدف مشترك ومحدد، مثل تعزيز أمن الممرات المائية الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي، فإنها تخلق قيمة استراتيجية تفوق مجرد مجموع إسهامات كل طرف، وهذا التكامل يسمح بمعالجة تهديدات مشتركة ومعقدة، مثل القرصنة والهجمات على الناقلات، والتي تتجاوز طبيعتها الخلافات السياسية الثنائية أو الانقسامات الإيديولوجية الأوسع، ومثل هذا التعاون الانتقائي لا يعالج التهديد المباشر فحسب، بل يعمل أيضاً على بناء رأس مال من الثقة المحدودة والبراغماتية بين الشركاء، وهو عنصر حيوي آخر لاستدامة التحالفات، وتخلق الديناميكية الناشئة عن هذا النموذج ما يمكن وصفه "بتوازن مرن"، حيث تتعاون الدول في ملفات بعينها لاحتواء تهديد مشترك، بينما تتنافس أو تختلف في مسارات أخرى، مما يوسع هامش المناورة الإستراتيجية للجميع في بيئة إقليمية مضطربة، وهكذا فإن التحالفات المتقاطعة لا تظهر فقط كاستجابة تكتيكية، بل كتعبير عن عقلانية استراتيجية جديدة تدرك أن مواجهة التهديدات السائلة تتطلب هياكل تعاون مرنة وسائلة بنفس الدرجة.

2 - تحقيق المرونة الاستراتيجية: في ظل تحول المعادلة الجيوبوليتيكية العالمية نحو نظام متعدد الأقطاب بوتيرة متسارعة، لم تعد "المرونة الاستراتيجية" مفهوماً نظرياً ترفيهياً، بل تحولت إلى ضرورة وجودية للدول التي تسعى للبقاء والفاعلية، ولقد باتت القدرة على المناورة والتحوط، من خلال تنويع الشراكات الأمنية بطرق مبتكرة، السمة المميزة للعقلانية الاستراتيجية في هذا العصر، في هذا الإطار، يظهر التعاون الدفاعي والجوي المتقدم بين المملكة العربية السعودية وباكستان كأحد أبرز النماذج التطبيقية لهذه الفلسفة، فهذا التعاون الذي تجسده "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل" الموقعة بين البلدين، لا يمثل مجرد ترقية للتعاون التقني العسكري التاريخي فحسب، بل هو بالأساس أداة استراتيجية متعددة الأبعاد، فهو يعزز "المجال الحيوي الاستراتيجي" لكل طرف: فالسعودية تحصل على شراكة مع قوة نووية وامتداد ردعي مهم في مواجهة التهديدات الإقليمية المتنوعة، بينما تحصل باكستان على دعم مالي وسياسي حيوي من قائدة العالم الإسلامي وقوة اقتصادية كبرى.

والأهم من ذلك، أن هذه الشراكة تمنح كلا البلدين هامشاً أوسع للمناورة في لعبة التوازنات الإقليمية والدولية المعقدة، فهي تخدم كركيزة لموازنة النفوذ الإقليمي المتنافس، سواء من إيران أو من فاعلين آخرين، دون أن تفرض على الطرفين قطيعة أو مواجهة مباشرة مع أطراف أخرى، بل على العكس، يتم تصميم هذه التحالفات المرنة لتكون "مكملة وليست بديلة" للضمانات الأمنية التقليدية، فالاتفاق يسمح للرياض، على سبيل المثال، بإرسال إشارات قوية حول سعيها لتعزيز أمنها القومي المستقل والضغط من أجل تحسين شروط شراكاتها الدفاعية الأخرى، بينما تحافظ في الوقت ذاته على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن وغيرها من القوى العالمية، وهكذا فإن هذا النموذج من التعاون الانتقائي والوظيفي يجسد الإجابة العملية على سؤال المرونة في عالم متعدد الأقطاب: فهو لا يلغي التحالفات القائمة، بل ينسج فوقها شبكة من الشراكات المتقاطعة التي تزيد من خيارات الدولة وتقلل من اعتمادها على مسار وحيد، مما يضمن لها حضوراً فاعلاً وقدرة على الصمود في وجه تقلبات السياسة الدولية.

3 - بناء الثقة عبر التعاون الوظيفي: ففي مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية المعقدة والمتشابكة، غالباً ما تفشل المحاولات المباشرة لبناء تحالفات سياسية وعسكرية شاملة ودائمة بسبب رواسب التاريخ والشكوك الاستراتيجية المتبادلة، وفي المقابل، اكتسب مسار أكثر دقة وعملية رواجاً متزايداً: من خلال التعاون التدريجي والوظيفي، يتم أولاً تراكم رأس مال الثقة المتبادلة في مجالات منخفضة الحساسية السياسية، لتمهيد الطريق لمعالجة قضايا أمنية أساسية لاحقاً، ويستند هذا المسار إلى منطق سياسي عميق: الثقة بين الدول لا تنشأ من العدم، بل تحتاج إلى أن تُزرع تدريجياً من خلال ممارسات تعاونية قابلة للتحقق ومفيدة للطرفين، وعندما يبدأ التعاون في مجالات تقنية وغير سياسية - مثل مكافحة الجريمة العابرة للحدود، وتنسيق بروتوكولات الأمن السيبراني، والإنقاذ المشترك للكوارث، أو تدريب الأفراد العسكريين - يمكن إنشاء نمط سلوك يمكن التنبؤ به، وقنوات اتصال مفتوحة، ومعرفة مهنية مشتركة على أرضية محايدة نسبياً، وهذا النوع من "ثقة العملية" القائمة على أمور محددة، أقوى بكثير من التصريحات السياسية الكبيرة ولكنها مجوفة.

والاتفاق الاستراتيجي للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وباكستان، الذي حظي باهتمام كبير مؤخراً، يقدم تفسيراً معاصراً مقنعاً لذلك، فلم تنشأ علاقات البلدين بين عشية وضحاها، بل تراكمت تدريجياً على مدى أكثر من نصف قرن، وبدأ التعاون في الستينيات بالتدريب العسكري وتبادل المستشارين، ثم تأسس في الثمانينيات من خلال اتفاقيات رسمية، وامتد إلى مجالات متعددة مثل التدريبات المشتركة، وتوريد المعدات، وحتى الدعم الأمني الداخلي، ومن خلال التعاون الوثيق في العديد من شؤون الدفاع والأمن المحددة على مدى عقود، بنى الطرفان تدريجياً أساساً متيناً للثقة المتبادلة وتصوراً عن موثوقية بعضهما البعض، فإن الاتفاقية الاستراتيجية للدفاع المشترك الموقعة في عام 2025، والتي تتضمن بنداً ينص على أن "الهجوم على أحد الطرفين يعتبر هجوماً على الطرف الآخر"، هي نتيجة مؤسسية طبيعية لعملية "بناء الثقة" الطويلة هذه، وليست ردة فعل متسرعة على أحداث طارئة معينة، إنها ترمز إلى انتقال تعاون الطرفين من المستوى الوظيفي ومستوى التعاملات، إلى الثقة الاستراتيجية والالتزام الأمني الأعلى درجة بشكل طبيعي.

ومقارنةً بالسعي لتحقيق تحالف شامل بين عشية وضحاها، يظهر هذا النموذج "التراكمي" لبناء الثقة من القاعدة إلى القمة، ومن النقاط إلى الأسطح، مزايا استراتيجية ملحوظة، فهو يضفي مرونة وقدرة على الصمود قيمة على التعاون، ويمكن بدء التعاون أو تعديله وفقاً لاحتياجات قضايا محددة، دون الحاجة إلى تحمل التزامات سياسية شاملة، وعلى سبيل المثال، حتى في إطار التعاون الدفاعي الوثيق، حافظت باكستان في السابق على حياد في صراعات إقليمية معينة بناءً على اعتبارات مصالحها الوطنية، مما يدل على أن الثقة المبنية من خلال التعاون الوظيفي يمكن أن تستوعب استقلالية سياسات الطرفين في قضايا أخرى، وفي الوقت نفسه، يمكن لخبرة التعاون الناجحة في مجالات الأمن غير التقليدية أن تقلل بشكل فعال من الحساسية السياسية، وتقلل من المقاومة الداخلية والخارجية، مما يجعل بدء التعاون واستمراره أسهل، وبالتالي خلق جو إيجابي لحوار قضايا أكثر تعقيداً.

ونظراً إلى إعادة التفكير العميق والتعديلات في الهياكل الأمنية للعديد من الدول في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا المضطربة، من الخليج إلى البحر الأحمر، فإن النموذج الذي يمثله المسارالسعودي - الباكستاني - أي تراكم رأس مال الثقة من خلال التعاون الوظيفي المستمر والعملي، يؤدي في النهاية إلى ترتيبات استراتيجية ناضجة - يوفر فكرة قيمة للغاية للدول الإقليمية لاستكشاف نموذج جديد للتعاون الأمني، فإنه يشير إلى أن شبكة الأمن الإقليمي المستقبلية قد لا تكون منظمة تعاهدية واحدة ضخمة، ولكنها على الأرجح شبكة تعاون ديناميكية ومرنة منسوجة من محاور "بناء الثقة" الثنائية أو متعددة الأطراف المماثلة المتعددة والمتشابكة.

التحديات والعقبات أمام نجاح التحالفات المتقاطعة

رغم الجاذبية النظرية، فإن تطبيق نموذج التحالفات المتقاطعة في الشرق الأوسط يواجه عقبات جذرية، بعضها بنيوي وبعضها متعلق بالإرث التاريخي:

1- يصطدم أفق التطبيق العملي لنظرية التحالفات المتقاطعة المرنة، بعقبة وجودية في الشرق الأوسط، تكمن في عمق النسيج الاجتماعي للإقليم؛ هي "صراع الهويات والولاءات الاستراتيجية العميقة"، وتكشف أعمال باحثين مثل "جريجوري جاس" أن الصراعات في المنطقة لاتزال تحكمها إلى حد كبير انقسامات هوياتية عميقة (طائفية، قومية، إيديولوجية)، وتُظهر تحليلات الوضع الإقليمي الحديثة أن المنطقة لاتزال مسرحاً لانقسامات عميقة تتقاطع عندها الولاءات الطائفية، والعصبيات القومية، والمشاريع الأيديولوجية المتنافسة، لتشكل خطوط صدع جيوبوليتيكية يصعب تجاوزها، وهذه الانقسامات ليست هوامش في السياسة؛ بل هي محركات مركزية للصراع، ففي الحالة الإسرائيلية - الفلسطينية، على سبيل المثال، يتجلى التعقيد الاستثنائي للسياسات الهوياتية، حيث يتحول السجال حول الحقوق التاريخية والتعبير الوطني إلى صراع وجودي، تجد فيه المجموعات الهوياتية "سبباً للحياة والموت"، مما يجعل إيجاد أرضية مشتركة مهمة شاقة للغاية.

وتكمن الخطورة في أن هذه الهويات المتجذرة لا تخلق تحالفات ثابتة فحسب، بل تولّد "معضلات تحالفية" معقدة تعرقل أي تعاون براغماتي ظاهري، فالتعاون الاستراتيجي القصير المدى مع مجموعة ما لمواجهة تهديد مشترك (كالجماعات المتطرفة)، قد يعني بشكل غير مباشر تمكين أجندة هوياتية طويلة المدى لتلك المجموعة (كالمطالبة بانفصال إقليمي)، وهو أمر غير مقبول للدول المركزية، وفي الوقت ذاته، تظهر تحالفات أخرى قائمة بالكامل على أساس هوياتي مشترك، كالتحالف الاستراتيجي العميق بين تركيا وأذربيجان والمبني على مبدأ "شعب واحد في دولتين"، والذي أثبت متانته في ساحات القتال وأعاد رسم توازن القوى في جنوب القوقاز، وهذا التناقض يوضح أن منطق الهوية غالباً ما يتغلب على منطق المصلحة المجردة قصيرة الأجل.

في هذا المشهد "المتشظي"، حيث تتداخل الصراعات المحلية مع تنافس القوى العالمية، تبقى التحالفات الوظيفية والمرنة هشة وعرضة للتفكك السريع، فالأزمات السياسية المفاجئة أو التصعيد في بؤرة توتر واحدة، لديها القدرة على إحياء رواسب تاريخية من الخلاف والرياسة، مما يجبر الدول على التراجع إلى معسكراتها الهوياتية الأولية والتخلي عن أي تعاون تكتيكي كان يبدو واعداً، لذلك فإن التحدي الأكبر للتحالفات المتقاطعة في الشرق الأوسط ليس فقط في تصميم آليات التعاون، بل في القدرة على الصمود أمام العواصف الهوياتية الدورية التي تعيد باستمرار إحياء خطوط الصدع القديمة، وتكشف عن الهشاشة العميقة لأي نموذج أمني يحاول تجاوز هذه الجيولوجيا السياسية المعقدة.

2 - في أعماق التربة الجيوبوليتيكية للشرق الأوسط، تُزرع بذور التعاون الأمني المرن في تربةٍ عقيمة من عدم الاستقرار المزمن وانعدام الثقة العميق، وتواجه العديد من النظم الإقليمية اختبارات وجودية تبدأ من الداخل، حيث تهدد أزمات الشرعية الداخلية والصراعات الحدودية العالقة كيان الدولة نفسه، مما يجعلها في حالة دفاعٍ دائم عن سيادتها الهشة، وفي هذا المناخ، يُنظر إلى أي خطوة نحو تعاون أمني عميق مع جار أو شريك إقليمي ليس فقط من خلال عدسة المصلحة المشتركة، بل وأيضاً كمجازفة سياسية محفوفة بالمخاطر؛ إذ قد يُفسر على أنه تنازل عن سيادة أو اعترافٌ ضمني بالضعف والعجز عن توفير الأمن بمفردها، مما يزيد من حالة التردد والحذر التي تطبع التفاعلات الإقليمية.

هذه الحساسية المفرطة تجاه السيادة لا تنبع من فراغ، بل هي نتاج تراكمات تاريخية ثقيلة، ولقد شهد العقد الماضي وحده تقلباتٍ جذرية في التحالفات الإقليمية، حيث تحول الأعداء إلى حلفاء مؤقتين والعكس بالعكس، في مشهد سائل أعاد تعريف مفهوم الولاء الاستراتيجي، وهذا التاريخ من التقلبات، مصحوباً بتجارب مريرة لخيانة متصورة أو تنصل من وعود، يغذي ثقافةً راسخة من الشك وغياب الثقة تسمم بيئة التعاون المحتملة، وقد تفاقم هذا الانعدام للثقة بسبب سياسات القوى الدولية التي، بدلاً من أن تكون ضامنة للاستقرار، ساهمت تاريخياً في تقويضه، حيث أدت تدخلاتها وصفقاتها إلى إضعاف السيادة الوطنية وخلق إرث من الاستقطاب والتبعية.

وتتجلى النتيجة الواضحة لهذا المزيج السام في صعوبة بناء الشراكات المرنة الفعالة، فجوهر التحالفات المتقاطعة أو "شبكات الأمن المرنة" يكمن في قدرتها على خلق درجة من الاعتماد المتبادل والشفافية في مجالات محددة، إلا أن هذه بالضبط هي العناصر التي تفتقر إليها البيئة الإقليمية الحالية، فكيف يمكن للدول أن تتبنى شفافيةً وتفويضاً جزئياً لشركائها في مجال استخباراتي حساس، وهي تتذكر جيداً كيف تحول حلفاء الأمس إلى خصوم اليوم؟ وكيف يمكنها الاعتماد على ضمانات شفهية أو حتى مكتوبة، في ظل تاريخ من الضمانات الدولية المتفككة والمتغيرة وفقاً للحسابات الجيوبوليتيكية العليا؟ لقد أظهرت أحداثٌ حديثة، كتلك التي هزت الثقة في ضمانات أمنية تقليدية، كيف أن حادثة واحدة يمكن أن تعيد إلى السطح كل رواسب عدم الثقة وتدفع الدول إلى إعادة تقييم تحالفاتها الأساسية والبحث عن بدائل، حتى لو كانت أقل قوة، لكنها تبدو أكثر سيادية وثباتاً، وفي النهاية يخلق هذا الدوار التاريخي واستمرار حالة عدم اليقين؛ عقبةً كأداء أمام أي نموذج تعاوني جديد، حيث تبقى غريزة البقاء الفردي والحفاظ على السيادة، في ظل غياب ضامن ثقة خارجي فعَّال، أقوى من أي حجة منطقية تدعو للمخاطرة الجماعية.

3 - تظل منطقة الشرق الأوسط بمثابة ساحة استراتيجية رئيسية، حيث تتقاطع طموحات القوى العالمية الكبرى وتتصارع، في بيئة جيوبوليتيكية بالغة التعقيد تتسم بانعدام الاستقرار، وبتركيبة من التهديدات المتداخلة، ففي ظل نظام عالمي يشهد تفتتًا في المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، وتسعى فيه هذه القوى إلى بناء نفوذ تنافسي وتحقيق انفصال اقتصادي انتقائي، تجد دول المنطقة نفسها مضطرة لتنويع شركائها وتبني سياسات خارجية متعددة الأوجه، وتتعامل القوى العظمى مع هذا الإقليم الحيوي ليس من منظور أمني تقليدي فحسب، بل كمسرح لهندسة جيوبوليتيكية تهدف إلى إعادة تصميم الفضاء السياسي والإقليمي بشكل واعٍ لخدمة مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى.

وفي هذا الصراع متعدد الأبعاد، تتبنى القوى الكبرى، وتحديدًا الولايات المتحدة، مقاربات متطورة للحفاظ على نفوذها بأقل تكلفة ممكنة، فقد تحولت استراتيجية واشنطن من الانخراط العسكري المباشر إلى تبني منطق "الواقعية المرنة" و "إدارة الفوضى المنضبطة"، وهي إطار نظري يستند إلى مدرسة "توازن القوى" يسعى إلى احتواء النزاعات ضمن حدود يمكن السيطرة عليها بدلاً من حلها جذريًا، وذلك لضمان المصالح الحيوية في مجالات الطاقة والأمن البحري، وتتمحور هذه الاستراتيجية حول "تقاسم الأعباء" مع الحلفاء الإقليميين، ونقل المسؤولية الأمنية اليومية إليهم مع إبقاء الإشراف الاستراتيجي والدور كالضامن الأخير بيد الولايات المتحدة، في محاولة لتحقيق ما يُسمى بالهيمنة المرنة، وبناءً عليه فإن أي تحالف إقليمي ناشئ - مهما بدا براجماتيًا ومستقلاً - يُقاس بمدى توافقه مع الرؤية والمصالح الأمريكية العليا، فقد رحبت واشنطن بالتحالف الدفاعي السعودي - الباكستاني لكونه يخدم سياسة ردع إيران دون حاجة لتورط أمريكي مباشر، ولكنه في الوقت ذاته أثار مخاوف لديها من إمكانية إثارة سباق تسلح جديد أو تقويض التوازن الاستراتيجي مع حلفاء آخرين مثل الهند، وهذا الموقف المزدوج يعكس الإشكالية الجوهرية: تشجيع الحلفاء على تحمل المسؤولية، مع الخوف الدائم من استقلاليتهم الزائدة عن الحد والتي قد تخرج عن النطاق المرسوم.

وبالتالي، فإن هذه البيئة المشحونة تشكل تحديًا وجوديًا لفكرة التحالفات المتقاطعة المرنة، فهذه التحالفات التي تنشأ لمعالجة تهديدات محددة مثل أمن الممرات البحرية، تجد نفسها عرضة للضغوط والتوظيف من قبل القوى الخارجية التي تسعى لتحويلها إلى أدوات في صراعاتها الواسعة، ويضاف إلى ذلك أن التنافس الجيوبوليتيكي لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يشمل لاعبين آخرين لديهم رؤى متضاربة لإعادة تشكيل المنطقة، مما يحول دون تبلور أي نموذج تعاوني إقليمي خالص ومستقل، والنتيجة هي تشويه المسار الطبيعي لأي تعاون إقليمي، حيث يتم استغلاله أو عرقلته لخدمة استراتيجيات كبرى تتجاوز الهدف المباشر المتمثل في تحقيق الأمن الإقليمي المستقر والمستقل، ليظل الإقليم ساحة لصراع الإرادات وتقاطع المصالح العالمية.

التوجهات المستقبلية: نحو نموذج هجين واقعي

بعد هذا التحليل، يتبين أن "التحالفات المتقاطعة" لا تمثل حلاً سحرياً أو نموذجاً أمنياً شاملاً قادراً على حل جميع إشكاليات الشرق الأوسط دفعة واحدة، وإنها ليست بديلاً عن ضرورة معالجة الجذور السياسية والهوياتية للصراعات، لكنها تقدم أدوات عملية وإطاراً مرناً لإدارة التعقيد الأمني في المدى المتوسط، ونجاحها مرهون بعدة عوامل:

1- ففي قلب التحولات الجيوبوليتيكية العميقة، يبرز مبدأ استراتيجي حاسم كحجر الزاوية لأي نموذج تعاوني جديد: التحول من منطق التحالفات القائمة على الخطاب الإيديولوجي الثابت، إلى منطق الشراكات المرتكزة على المصالح الوطنية الملموسة والمشتركة، وهذا التحول ليس تكتيكاً عابراً، بل هو تعبير عن عقلانية براغماتية عميقة تتجاوز شعارات الماضي لمواجهة تعقيدات الحاضر، ففي عالم تسوده السيولة وعدم اليقين، تصبح القدرة على التحديد والتعاون حول مصالح واضحة - كالاستقرار الاقتصادي، وأمن الطاقة، ومكافحة التهديدات الأمنية العابرة للحدود - هي اللغة الوحيدة الموثوقة بين الدول.

وتتجلى روحية هذا المنطق الجديد بوضوح في التحول الاستراتيجي التاريخي الذي أعلنته الولايات المتحدة في استراتيجية أمنها القومي لعام 2025، حيث تخلت صراحة عن محاولات "استنبات الديمقراطية الشكلانية" أو فرض أجندات قيمية، واعترفت بأن مقاربتها السابقة كانت خاطئة، وبدلاً من ذلك أعلنت واشنطن أن نجاح علاقاتها مع المنطقة يقوم على "قبول المنطقة وقادتها كما هم، والعمل معهم ضمن إطار المصالح المشتركة"، وهذا الإطار الجديد لا ينظر إلى الشرق الأوسط كمسرح للصراعات الأبدية، بل كشريك محتمل للاستثمار في مجالات مثل الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي، مما يعيد تعريف العلاقة من أساسها.

وباستجابة لهذه البيئة الجديدة، بدأت القوى الإقليمية نفسها في تبني ذات المنطق العملي، فلقد دفع الشك حول التزام الولايات المتحدة المستقبلي وعدم موثوقية الحلفاء التقليديين في ظل سياسات متقلبة، الدول إلى إعادة حساب تحالفاتها، والنتيجة كانت تحسناً ملحوظاً في العلاقات بين خصوم سابقين، حيث سادت حسابات المصلحة الوطنية على الخلافات الإيديولوجية، فالتقارب السعودي - الإيراني بوساطة صينية، وعودة تبادل السفراء بين مصر وتركيا بعد سنوات من القطيعة، وحضور النظام السوري قمة الجامعة العربية، كلها أمثلة على كيف تدفع المصالح المشتركة الأعداء السابقين إلى طي صفحة الخصومة، والدافع المشترك وراء هذه التحولات هو الرغبة في خلق فرص استثمارية وتجارية في أوقات الأزمات الاقتصادية العالمية، حيث أدركت الدول أن كلفة الصراعات السياسية أصبحت باهظة جداً على اقتصاداتها.

وهكذا، يثبت هذا المنطق المرتكز على المصلحة أنه الأكثر مرونة وجاذبية في منطقة تتسم بجيولوجيا سياسية معقدة، فهو يسمح بتعاون تكتيكي في مجال محدد - مثل الأمن البحري أو الاستثمار التكنولوجي - بينما تظل الخلافات في مجالات أخرى قائمة، دون أن ينهار التعاون كله، إنه يُترجم الحاجة إلى "إعادة الإقليم للإقليم" - كما تطرحه الاستراتيجية الأمريكية - من شعار إلى واقع عملي، حيث تتحمل القوى الإقليمية مسؤولية إدارة توازناتها على أساس مصالحها الحيوية المباشرة، بدلاً من انتظار الحلول أو الضمانات من قوى خارجية، وفي النهاية يصوغ هذا النهج لغة جديدة للعلاقات الدولية في الشرق الأوسط، لغة تقيس التحالفات بمعيار المنفعة والاستقرار والفرص الاقتصادية الملموسة، مُعلنةً نهاية عصر الهيمنة الطاغية للأيديولوجيات الصلبة على مصائر الشعوب.

2. كما يبرز نهج استراتيجي بالغ الأهمية يتمثل في بناء التحالفات بشكل تدريجي وتراكمي، وتعتمد منطقية وفعالية نموذج "التحالفات المتقاطعة" المرنة على هذه الفلسفة التأسيسية: البدء بالتعاون في مجالات عملية ومحدودة تتصف بمنخفضة الحساسية السياسية، مما يسمح بتراكم رأس مال ثمين من الثقة والخبرة المشتركة، وهذه المجالات مثل التدريب العسكري المشترك، وتبادل الخبرات في مكافحة التطرف والإرهاب، وتعزيز الأمن الغذائي والصحي، تشكل أرضية محايدة وآمنة نسبياً، إذ تقدم إطاراً عملياً للدول للعمل معاً دون التورط المباشر في القضايا الجيوبوليتيكية الشائكة التي قد تعيق أي حوار في مراحله الأولى. وتظهر النماذج العملية في المنطقة كيف أن هذا النهج التدرجي هو حجر الزاوية للشراكات الاستراتيجية الناجحة:

   · التعاون الأمني البحري البريطاني - الخليجي: يجسد هذا التعاون منطق البناء من القاعدة، فهو لا يقتصر على المناورات العسكرية الظرفية، بل يرتكز على برامج تدريب منهجية طويلة الأمد، وتمارين مشتركة منتظمة، ومشاريع لتصنيع الدفاع المشترك، بهدف تطوير القدرات الوطنية للشركاء وتعزيز الاعتماد المتبادل، وعملية مثل "HIGHMAST 2025" التي تقودها البحرية الملكية البريطانية، تهدف صراحة إلى بناء الثقة وتعزيز القدرة العملياتية المشتركة بين الأساطيل عبر عشرات التدريبات المنسقة، مما يؤسس لشراكة أمنية مستدامة تتجاوز مجرد الردع العسكري المؤقت.

   · تحالف القوات البحرية المشتركة (CMF): يعد هذا التحالف الذي يضم 33 دولة، بما فيها العديد من دول المنطقة، نموذجاً ملموساً لتحالف مرن وقائم على المهام المحددة، ويتمحور عمله حول أهداف مشتركة منخفضة الحساسية نسبياً مثل مكافحة القرصنة وتهريب الممنوعات وضمان أمن الملاحة، وهذا التركيز العملي يسمح لمجموعة واسعة من الدول، ذات المصالح والسياسات المختلفة، بالمشاركة والتعاون في مجال بحري محدد، مما يخلق شبكة تعاون يمكن البناء عليها مستقبلاً. 

وتكمن القوة الاستراتيجية لهذا المنهج في كونه يقلل المخاطر ويدير التوقعات، فبدلاً من السعي نحو تحالفات شاملة تجبر الدول على تجاوز هواجس السيادة أو الخلافات السياسية العميقة دفعة واحدة، يسمح التعاون التدريجي بـتطوير لغة مشتركة وإجراءات قياسية موحدة، كما هو الحال في التدريبات البحرية الدولية، مع تراكم النجاحات في معالجة القضايا المشتركة (كحماية خطوط الشحن أو مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود)، وتزداد ثقة الدول بعضها ببعض وتصبح أكثر استعداداً لمواجهة تحديات أكثر تعقيداً، مثل التنسيق الاستخباراتي أو مواجهة التهديدات السيبرانية الإقليمية، وبالتالي يصبح هذا النهج التراكمي ليس مجرد تكتيك، بل هو ركيزة أساسية لأي هندسة أمنية إقليمية مرنة وقادرة على الصمود في وجه تقلبات المشهد الجيوبوليتيكي.

3. في قلب الديناميكيات الجيوبوليتيكية الهشة للشرق الأوسط، يمكن لأي خطوة دبلوماسية أن تُفسر على أكثر من وجه، وتبرز الشفافية الواقعية والإدارة الحكيمة للتوقعات كفنون استراتيجية بالغة الأهمية لنجاح أي تعاون تكتيكي، ولا يكمن التحدي في إخفاء نطاق الشراكة، بل في تحديده وتوصيله بوضوح لجميع الأطراف المعنية - الحلفاء والخصوم على السواء - بحيث يُفهم التعاون في إطاره الصحيح كاستجابة عملية ومحدودة لتهديد مشترك أو مصلحة آنية، وليس كتحول جذري في التحالفات أو تغيير في المواقف الجيوبوليتيكية الأساسية، وهذه الوضوحية المتعمدة تُزيل مساحة التخمين وسوء الفهم التي تُغذي عادة الشكوك وتدفع نحو التصعيد، فعندما تُعلن دولة ما أن تعاونها البحري مع جار يهدف حصراً إلى مكافحة القرصنة وحماية خطوط الشحن، فإنها تحول دون أن يُفسر هذا التعاون على أنه تحالف عسكري كامل أو موافقة ضمنية على سياسات ذلك الجار في ملفات أخرى أكثر حساسية.

وتسهم هذه المقاربة في خلق ما يمكن تسميته "منطقة عازلة دبلوماسية" حول التعاون التكتيكي، ومن خلال الإعلان الصريح عن الأهداف المحدودة والمدة الزمنية المتوقعة للتعاون (مناورات مشتركة، تبادل معلومات استخبارية حول تهديد محدد)، تُقدم الدول رسالة مطمئنة لأطراف أخرى قد تشعر بالقلق، فهي تُبقي باب التواصل مفتوحاً مع الحلفاء التقليديين الذين قد يخشون من الانزياح الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه تحد من حافز الخصوم لاتخاذ إجراءات مضادة استباقية، لأن طبيعة التهديد ومداه أصبحا معروفين ومقبولين ضمنياً، وهذه الاستراتيجية لا تنفي المنافسة، بل تحصرها في إطار محدد، مما يسمح بتحقيق منفعة عملية (مثل تأمين ممر ملاحي) دون إثارة عاصفة جيوبوليتيكية غير ضرورية.

وبالتالي، فإن نجاح نماذج "التحالفات المتقاطعة" المرنة لا يعتمد فقط على الجدارة الفنية للتعاون، بل أيضاً على البراعة في التواصل الدبلوماسي المصاحب، وإن قدرة الدول على صياغة رسائل واضحة ومتسقة حول نواياها، والحرص على ألا يتجاوز التعاون الفعلي الحدود التي رسمتها تلك الرسائل، هي ما يبني مصداقيتها ويُكسب تحركاتها التكتيكية الشرعية والقبول، وفي النهاية في منطقة تتسم بتاريخ من التحالفات المتقلبة والثقة المحدودة، تكون الصراحة التكتيكية في بعض الأحيان أقوى ضمان للاستقرار من السرية أو الغموض الاستراتيجي.

الخاتمة: في عالم تتسارع فيه وتيرة التحولات الجيوبوليتيكية والتهديدات العابرة للحدود، يثبت منطق التحالفات الصلبة والثابتة، شأنه في ذلك شأن الأطر الأمنية التقليدية في المجال الرقمي، عجزه عن مجاراة طبيعة المخاطر السائلة والمتداخلة، لذلك لا يمكن اعتبار التحالفات المتقاطعة مجرد بديل تكتيكي عابر، بل هي تجسيد لهندسة أمنية تكتيكية ضرورية وأكثر واقعية للبقاء في عصر اللايقين، إنها تعكس تحولاً جوهرياً في مفهوم الأمن ذاته، من كونه هوية جامدة أو وضعاً ثابتاً يمكن بلوغه، إلى كونه قدرة ديناميكية مستمرة على التكيف والتعاون والمرونة في مواجهة سيل التهديدات المتغيرة.

وهذا التحول يستلهم، بشكل غير مباشر ولكن عميق، الدروس المستفادة من مجالات إدارة المخاطر المعقدة الأخرى، ففي مواجهة التهديدات السيبرانية والتحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، تدرك المنظمات الرائدة أن النُهُج القائمة على الامتثال الجامد للوائح وحدها لم تعد كافية، وبدلاً من ذلك يتحتم عليها تبني استراتيجيات استباقية قائمة على المخاطر، تركز على تحديد الثغرات الأكثر خطورة وتعزيز القدرة على الصمود بشكل مستمر، وبالمثل فإن التحديات الأمنية الإقليمية في الشرق الأوسط تتطلب تجاوز النماذج التحالفية الجامدة التي عفا عليها الزمن، والتحول نحو بناء شبكات مرنة من الشراكات الانتقائية والوظيفية، وهذه الشبكات لا تسعى لخلق كتلة أحادية الصلابة، بل تهدف إلى نسج نسيج معقد من التعاون يتقاطع عند نقاط المصالح الحيوية المشتركة، ويكون قادراً على امتصاص الصدمات المفاجئة والتكيف مع المتغيرات.

وبالتالي، فإن مستقبل الاستقرار في المنطقة قد لا يرتكز على البحث الواهم عن تحالف شامل واحد وكبير، يشبه البحث عن إطار أمني "جامد" "قاسٍ" في عالم سائل، بل سيتحدد بمقدار القدرة الجماعية لدول المنطقة على تصميم وإدارة شبكة معقدة ومرنة من هذه التحالفات المتقاطعة، وشبكة تكون مرنة كفاية لتحمل هزات التاريخ وصدماته، وذكية كفاية لاستغلال الفرص التي تقدمها الجغرافيا وتحولات النظام الدولي، وقوية كفاية لأن تخلق من تلقاء نفسها نظاماً أمنياً عضوياً ومتكيفاً، يشبه في ديناميكيته النُهُج الإدارية المتقدمة التي تجمع بين الحوكمة الرشيدة والابتكار لمواجهة التحديات الناشئة، وفي هذا المشهد يصبح الأمن هو فن إدارة التعقيد واللايقين عبر التعاون الانتقائي والمرن، وليس مجرد الانتماء إلى معسكر ثابت.
-------------------------------
بقلم: 
أحمد حمدي درويش

الحلقة الأولى : تحالفات متقاطعة: نحو هندسة جديدة للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط (1-3)

مقالات اخرى للكاتب

تحالفات متقاطعة | نحو هندسة جديدة للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط (2-3)